ابن تيمية
24
منهاج السنة النبوية
مُكْتَسَبَةٌ ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ ( 1 ) : إِنَّ النُّبُوَّةَ عِبَارَةٌ عَنْ ثَلَاثِ صِفَاتٍ ، مَنْ حَصَلَتْ لَهُ فَهُوَ نَبِيٌّ : أَنْ يَكُونَ لَهُ قُوَّةٌ قُدْسِيَّةٌ حَدْسِيَّةٌ يَنَالُ بِهَا الْعِلْمَ بِلَا تَعَلُّمٍ ، وَأَنْ تَكُونَ نَفْسُهُ قَوِيَّةً لَهَا تَأْثِيرٌ فِي هَيُولَى الْعَالَمِ ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُ قُوَّةٌ يَتَخَيَّلُ بِهَا مَا يَعْقِلُهُ ، وَمَرْئِيًّا فِي نَفْسِهِ ، وَمَسْمُوعًا فِي نَفْسِهِ . هَذَا كَلَامُ ابْنِ سِينَا وَأَمْثَالِهِ فِي النُّبُوَّةِ ، وَعَنْهُ أَخَذَ ذَلِكَ الْغَزَالِيُّ فِي كُتُبِهِ " الْمُضْنُونِ بِهَا عَلَى غَيْرِ أَهْلِهَا " . وَهَذَا الْقَدْرُ الَّذِي ذَكَرُوهُ يَحْصُلُ لِخَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ آحَادِ النَّاسِ وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَفْضَلِ عُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ نَبِيًّا ، كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ . وَهَؤُلَاءِ قَالُوا هَذَا لَمَّا احْتَاجُوا إِلَى الْكَلَامِ ( 2 ) فِي النُّبُوَّةِ عَلَى أُصُولِ سَلَفِهِمُ الدَّهْرِيَّةِ ، الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْأَفْلَاكَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ ، لَا مُفْعُولَةٌ لِفَاعِلٍ بِقُدْرَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ ، وَأَنْكَرُوا عِلْمَهُ بِالْجُزْئِيَّاتِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أُصُولِهِمُ الْفَاسِدَةِ ; فَتَكَلَّمَ هَؤُلَاءِ فِي النُّبُوَّةِ عَلَى أُصُولِ أُولَئِكَ . وَأَمَّا الْقُدَمَاءُ - أَرِسْطُو وَأَمْثَالُهُ - فَلَيْسَ لَهُمْ فِي النُّبُوَّةِ كَلَامٌ مُحَصَّلٌ . وَالْوَاحِدُ ( 3 ) مِنْ هَؤُلَاءِ يَطْلُبُ أَنْ يَصِيرَ نَبِيًّا ، كَمَا كَانَ السُّهْرَوَرْدِيُّ الْمَقْتُولُ يَطْلُبُ أَنْ يَصِيرَ نَبِيًّا ، وَكَانَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ النَّظَرِ وَالتَّأَلُّهِ ، وَسَلَكَ نَحْوًا مِنْ مَسْلَكِ الْبَاطِنِيَّةِ ، وَجَمَعَ بَيْنَ فَلْسَفَةِ الْفُرْسِ وَالْيُونَانِ ، وَعَظَّمَ أَمْرَ الْأَنْوَارِ ، وَقَرَّبَ دِينَ الْمَجُوسِ الْأَوَّلَ ، وَهِيَ نُسْخَةُ الْبَاطِنِيَّةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ ، وَكَانَ لَهُ
--> ( 1 ) س ، ب : وَيَقُولُونَ . . ( 2 ) س ، ب : فِي الْكَلَامِ . ( 3 ) ن ، س ، ب : فَالْوَاحِدُ .